ابن عربي
11
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لأن الإفصاح عما في النفس إنما هو صفة الكلام ، ليس هو من صفة العين ، وإن كان في قوة العين الإفصاح بما في النفس بالإشارة ، ولكن إنما لها النظر ، والذي عندها من صفة الكلام إنما هو أمانة بيدها للكلام ، فإذا تصرفت في تلك الأمانة بالإيماء والإشارة لمن تومئ إليه في أمر ما ، فقد خانت الكلام فيما أمنها عليه من ذلك ، فلهذا سميت خائنة الأعين ، فوصفت بالخيانة ، والخيانة التصرف في الأمانة ، فإن الأمانة ليست بملك لك ، وإنك مأمور بأدائها إلى أهلها ، فإذا اقتضى الحال الأمر بخير أو شر في حق شخص ، وفي قوة العين الإفصاح عن ذلك لمن يشير إليه به ، فعلمت أن ذلك صفة الكلام فلم تفعل ، وردت تلك الأمانة إلى اللسان فنطق ، فقد أدت هذه العين الأمانة إلى أهلها ولم تخن فيها ، قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في فتح مكة ، لما وقف بين يديه رجل ممن كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يريد قتله ، فلما قضى حاجته منه وانصرف ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لم لم تقتلوه حين وقف بين يدي ؟ ] فقال له أصحابه [ هلا أومأت إلينا بطرفك ] فقال صلّى اللّه عليه وسلّم [ ما كان لنبي أن تكون له خائنة عين ] ولا تقع خائنة العين في الخير وإن كان خيرا من نبي ، وسببه أن لا تعتاده النفس ، فربما تستعمله في الشر لاستصحابها إياه في الخير ، إذا كانت النفس من طبعها أن تسترقها العادة ، وبعد أن بينا لك هذا الأمر ، فتحفظ من خائنة الأعين ما استطعت أن تفعلها مع الحضور ، فإنك لست بمعصوم ، فإن قلت : قد أشارت من شهد لها بالكمال ، ومنعت من الكلام ، وهي مريم إلى عيسى عليه السلام أن يسألوه عن شأنه ؛ قلنا : بعد ذلك نالت الكمال لا في ذلك الوقت ، ألا ترى زكريا عليه السلام قيل له : ( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) والرمز ما يقع بالإشارة ، فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب ، بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج المتكلم فيها إلى قرينة حال ، حتى لو قال شخص لآخر : كلم زيدا بكذا وكذا ، وزيد حاضر ، احتمل أن يفهم السامع زيدا آخر غير هذا ، والمتكلم إنما أراد الحاضر ، فإذا ترك التلفظ باسمه وأشار إليه بيده أو بعينه فقال : كلّم هذا ، مشيرا إليه ، كان أفصح وأبعد من الإبهام والنكر ، والحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجه فيه إلى أمور . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 20 إلى 27 ] وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 25 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 )